التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيين

التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيين

يرصد التاج نيوز لمتابعيه أبرز ما جاء في خبر: التدخلات الإغاثية المشوهة وأثرها على قضايا العمال الفلسطينيين

في حضرة الصمود الأسطوري لشعبنا، وعلى وقع حرب الإبادة والدمار الشامل المستمرة لسنوات والتي استهدفت تهشيم كل مقومات الحياة وتجميد عجلة التعافي، يبقى العامل الفلسطيني – جريدة التاج نيوزعد البناء وعصب المجتمع – في طليعة الفئات الأكثر تضرراً وهشاشة، وأمام هذا المشهد القاسي، تتكثف اليوم جهود الهيئات والمؤسسات المحلية والدولية لتقديم برامج الإغاثة الإنسانية؛ ورغم الأهمية القصوى لهذه التدخلات في التخفيف المؤقت من حدة المعيشة الطارئة، إلا أن خطورة الاعتماد المطلق عليها وتحويلها إلى أفق دائم للحل تكمن في كونها مأزقاً بنيوياً يهدد جوهر كرامة العامل وإنتاجيته؛ فحين تتحول الجريدة التاج نيوزعد التي تُبنى بها أوطانُنا إلى مجرد متلقٍ دائم لسلع إغاثية موسمية مقطوعة الأفق، فإن الأزمة لا تُحل، بل يتم تكريس ثقافة الاتكالية، وإفراغ العمل من قيمته الوجودية، واستبدال الحقوق الأساسية بمنة المساعدات العابرة.

إن النقد الموضوعي لواقع التدخلات السائدة يهدف لتطوير التدخلات فيما يتعلق بقضايا العمال والكشف عن كون العديد منها “مسكنات مؤقتة” لا تعالج أصل الداء بل تخفف أعراضه الظاهرية فقط، وغالباً ما تتسم برامج التشغيل المؤقت والهزيل المتاحة بغياب أي رؤية تنموية أو استدامة اقتصادية ضمن خطة متكاملة أو خارطة طريق تمهد للمراحل القادمة من التعافي والإعمار؛ فهي تقدم أجوراً زهيدة لا تتناسب مع الحد الأدنى للمعيشة الكريمة، وتُدير الظهر لشروط العمل اللائق والأمان الوظيفي، وتتعامل مع العمال كأرقام استهلاكية في مشاريع قصيرة الأجل تنتهي بانتهاء التمويل المخصص، ليعود العامل مرة أخرى إلى فراغ البطالة وقسوتها، في ظل واقع كارثي تتجاوز فيه نسب البطالة والفقر حدود التصور، وغياب تام لأي أفق استثماري حقيقي، وهذا الشكل من التدخل المشوه لا يضر بمصالح العمال المباشرة فحسب، بل يضعف موقفهم التفاوضي والنقابي ويجعلهم عرضة دائماً للمساومة بلقمة العيش، ويدجن صوتهم المطلبي، ويحولهم عن مسار النضال من أجل انتزاع حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية العادلة.

إضافة إلى ذلك، فإن تغييب المقاربة التنموية المستدامة لصالح البرامج الإغاثية البحتة يخدم من حيث لا يدري سياسات الاحتلال وأجنداته التي تهدف إلى التهجير وتفكيك البنية الاقتصادية المستقلة وتحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع استهلاكي عاجز عن الإنتاج والاعتماد على الذات، وحين تقتصر خطط التدخل على إدارة الفقر بدلاً من محاربته والقضاء على أسبابه الجذرية، فإنها تُبقي الطبقة العاملة رهينة لحلقات مفرغة من المعاناة والعوز، عاجزة عن المساهمة الفاعلة في بناء وتطوير اقتصادها الوطني أو التخطيط لمستقبل عائلاتها باستقرار وكرامة.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى ثورة مفاهيمية وعملية تفضي إلى الانتقال الحاسم من منطق “الإغاثة الاستهلاكية” إلى منطق التمكين التنموي المستدام، وخلق واستحداث فرص عمل جديدة، ولكي تتحول هذه الرؤية النقدية إلى برنامج عمل واقعي وميداني، لابد من تفعيل دور الصناديق المختصة بالتشغيل،/ والتمكين/ والتنمية، والتعويضات…الخ بدلاً من تدوير أموال الإغاثة المعتادة، وتحويل جزء من هذه الأموال إلى صناديق قروض الصفرية البيضاء وحاضنات أعمال تعاونية تملكها وتديرها لجان نقابية وعمالية محلية؛ وإطلاق منصات وطنية لتوثيق وتوجيه فرص التشغيل نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية والصامدة ميدانياً (كالزراعة المنزلية، والصناعات اليدوية الأساسية، ومشاريع إعادة تدوير الركام وإنتاج المواد المحلية، وخدمات المخيمات ومراكز الايواء…)، مع إقرار قوانين حماية اجتماعية طارئة تضمن حدًا أدنى آمناً للأجور وشروط سلامة مهنية ملزمة لكل الجهات المشغلة.

وفي هذا السياق، تقع مسؤولية كبرى على النقابات والاتحادات العمالية التي يجب أن تستعيد دورها الطليعي في تأطير العمال، والدفاع عن حقوقهم، وصياغة برامج نضالية ومطلبية ترفض الاستغلال وتضمن إشراكهم الفعلي في خطط التعافي، كما نوجه دعوة واضحة للجهات المانحة والمجتمع الدولي لإعادة هندسة شروط ومشاريع التمويل، لتتحول من مجرد إطفاء حرائق استهلاكي إلى دعم استراتيجي طويل الأمد يرسخ ركائز الاقتصاد التضامني والإنتاجي.

إن أي تدخل جاد لصالح العمال يجب أن ينطلق من الإيمان المطلق بحقهم في العمل المنظم واللائق، وبناء مشاريع إنتاجية حقيقية توظف طاقاتهم وتستثمر كفاءاتهم، وتأسيس برامج تشغيل استراتيجية ترتبط باحتياجات إعادة الإعمار والتنمية المحلية، لا أن تكتفي بتوزيع الفتات من المساعدات الاغاثية، وإن حماية كرامة العامل الفلسطيني تبدأ حتماً من رفض التدخلات المشوهة، والتمسك بمشروع وطني وتنموي يعيد للعامل دوره التاريخي كرافعة للبناء والصمود، لذا ندعو اليوم كافة الشركاء – من حكومة، وقطاع خاص، ومؤسسات نقابية ودولية – إلى صياغة رؤية مشتركة تؤسس للعمل المنظم والمنتج، فقناعتنا الراسخة هي أن العمل اللائق والأجر العادل مقابل الإنتاج هما درع الوطن الحقيقي في معركة التعافي والبقاء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر جريدة التاج نيوز الإخبارية

تنويه: المحتوى أعلاه منقول آليًا عن المصدر الأصلي، وتعود حقوق النصوص والصور إلى أصحابها وناشريها الأصليين. ويحرص التاج نيوز على إتاحة الأخبار والمعلومات للقارئ مع الإشارة إلى مصدرها.

بهاء الجملة

كاتب ومحرر في أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات

بهاء الجملة، كاتب ومحرر في جريدة التاج نيوز، متخصص في متابعة أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات، ويحرص على تقديم المعلومات بصورة واضحة ودقيقة وتحديث المحتوى عند ورود مستجدات جديدة.

تعليقات