في غزة: زجاجة حليب لطفلة تحت الركام… وآلاف الضحايا ما زالوا ينتظرون 

في غزة: زجاجة حليب لطفلة تحت الركام… وآلاف الضحايا ما زالوا ينتظرون 

يرصد التاج نيوز لمتابعيه أبرز ما جاء في خبر: في غزة: زجاجة حليب لطفلة تحت الركام… وآلاف الضحايا ما زالوا ينتظرون 

بين ركام عمارة عائلة عطالله في مدينة غزة ، لم تعثر فرق الدفاع المدني أمس السبت على الحجارة والحديد فقط. عثرت على بقايا عظام، وقطع من الملابس، وعلى زجاجة حليب ومصاصة أطفال.

أشياء صغيرة جدًا، لكنها كانت أثقل من الركام كله.

كانت تلك بقايا رضيعة لم تُمنح فرصة لأن تكبر. طفلة كان يفترض أن تحملها الأيدي، لا أن تبحث عنها الأيدي بعد أكثر من عامين ونصف. كان يفترض أن تكون زجاجة الحليب جزءًا من يومها، وأن تكون المصاصة تفصيلًا عابرًا في طفولة عادية لطفلة كانت ستحبو في فضاء الدار، فيما لو لم تمزق لحمها الغض غارة عدوانية غادرة ذات نهار في مدينة غزة، لتصبح زجاجة الحليب والمصاصة شاهدين صامتين على حياة انتهت تحت الأنقاض.

وبالقرب منها، عثرت فرق الدفاع المدني على رفات عدد من الشهداء من عائلة عطالله، ممن كانوا يسكنون العمارة التي دُمّرت بالقصف، وبقوا تحت أنقاضها لأكثر من عامين ونصف.

عامان ونصف من الانتظار.

فترة طويلة بما يكفي لأن يكبر الأطفال، وتتغير الوجوه، وتمضي الحياة في الخارج، بينما بقي أناس تحت الركام ينتظرون أن تصل إليهم يد.

يد تنتشل ما تبقى منهم.

يد تحمل الرفات بحذر.

يد تعيد إلى العائلة شيئًا من أحبّتها، بعدما حُرمت من فرصة الوداع.

ومن بين الذين ما زالوا تحت الأنقاض، الشاعر الفلسطيني المعروف سليم النفار وعائلته؛ اسم لم يكن عابرًا في المشهد الثقافي الفلسطيني، بل صوتًا حمل في كلماته غزة وأوجاعها وذاكرتها. واليوم، يتحول غيابه وغياب عائلته إلى واحدة من تلك الحكايات التي لا تزال تنتظر أن تصل إليها الأيادي.

في غزة، لا تنتهي الحكاية عند لحظة القصف. هناك حكايات تبدأ بعدها، وتبقى مفتوحة لسنوات. حكايات أمهات وآباء وأبناء وإخوة، ينتظرون خبرًا، أو أثرًا، أو قطعة ملابس، أو أي شيء يقول لهم: لقد وجدناهم.

ولعل أقسى ما في الانتظار أن العائلة لا تعرف كيف تنهي حزنها. لا قبر تزوره، ولا جسد تحتضنه للمرة الأخيرة، ولا مكان تضع فيه وردة أو دعاء. يبقى الغائب عالقًا بين الحياة والموت، وتبقى الأسرة معلقة بين الأمل واليقين.

زجاجة الحليب التي عُثر عليها أمس لا تحكي قصة رضيعة فقط. إنها تختصر جانبًا من قصة غزة كلها.

أشياء عادية تحولت إلى أدلة على الموت.

سرير كان لطفل، صار تحت الركام.

لعبة كانت تنتظر يدًا صغيرة، صارت شاهدة على غياب صاحبها.

ملابس كانت تُغسل وتُطوى، صارت آخر ما يعرّف العائلة بفقيدها.

وزجاجة حليب كان يفترض أن تُملأ كل يوم، أصبحت تقول إن طفلة كانت هنا… ثم اختفت تحت الأنقاض.

وما زال الآلاف ينتظرون.

ينتظرون أن تصل الأيادي إلى من بقي تحت الركام. ينتظرون أن تتوقف الحجارة عن إخفاء أسماء أحبّتهم. ينتظرون أن تتحول الأنقاض، ولو بعد سنوات، إلى قبور تُعرف أسماء أصحابها، بدل أن تبقى أجسادهم مجهولة في عتمة الركام.

خلف كل رفات اسم.

وخلف كل اسم بيت.

وخلف كل بيت أم أو أب أو طفل أو أخ لا يزال ينتظر.

لذلك، حين تصل فرق الدفاع المدني إلى بقايا إنسان تحت الأنقاض، فهي لا تنتشل عظامًا فقط؛ إنها تنتشل جزءًا من حكاية عائلة، وتعيد اسمًا كان مهددًا بأن يظل مدفونًا إلى الأبد.

لكن آلاف الحكايات ما زالت هناك.

تحت الركام.

في العتمة.

تنتظر الأيادي.

وتنتظر أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه أحد أن يقول لعائلة ما، بعد سنوات من الانتظار:

لقد وجدناهم. 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر جريدة التاج نيوز الإخبارية

تنويه: المحتوى أعلاه منقول آليًا عن المصدر الأصلي، وتعود حقوق النصوص والصور إلى أصحابها وناشريها الأصليين. ويحرص التاج نيوز على إتاحة الأخبار والمعلومات للقارئ مع الإشارة إلى مصدرها.

بهاء الجملة

كاتب ومحرر في أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات

بهاء الجملة، كاتب ومحرر في جريدة التاج نيوز، متخصص في متابعة أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات، ويحرص على تقديم المعلومات بصورة واضحة ودقيقة وتحديث المحتوى عند ورود مستجدات جديدة.

تعليقات