معركة الوعي في قطاع غزة.. الركض خلف التعليم تحدياً لمقصلة الإبادة والتجهيل

معركة الوعي في قطاع غزة.. الركض خلف التعليم تحدياً لمقصلة الإبادة والتجهيل

يرصد التاج نيوز لمتابعيه أبرز ما جاء في خبر: معركة الوعي في قطاع غزة.. الركض خلف التعليم تحدياً لمقصلة الإبادة والتجهيل

في قطاع غزة ، لم يعد ذهاب الطلبة إلى المدرسة طقس اعتيادي أو حق بديهي، بل هي معركة وجودية شرسة؛ إنها معركة الوعي التي يخوضها الفلسطينيون بأرواحهم ومستقبل أبنائهم. فوق هذه الأرض، قرر الآباء والأمهات تحدي قوات الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة وآلة الحرب والقتل والتدمير؛ بمزيد من الوعي، ومواجهة سياسات التجهيل والمحو الممنهج، بقدسية التعليم، وإسقاط مخططات التهجير والاقتلاع، بالبقاء والصمود فوق الركام. إن الركض خلف التعليم وسط الخيام المهترئة وتحت أزيز الطائرات ودوي القصف، ليس سوى إعلان تحدٍ صريح لمقصلة الإبادة، وإيمان عميق بأن كل طفل يمسك بقلمه يبني جداراً للغد، وكل حقيبة مدرسية تنتزع من تحت الأنقاض هي وثيقة بقاء لا تقبل المساومة.

الجريمة مستمرة

لكي تدرك حجم الكارثة التعليمية مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/ 2027، لا بد من قراءة الأرقام التقديرية التي تعكس عمق المأساة، في ظل تدمير ممنهج طال أكثر من 85% من المباني المدرسية (الحكومية والتابعة للأونروا)، بينما تحولت المدارس القليلة الناجية إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين:

* أكثر من 630 ألف طالب وطالبة، يحاولون شق طريقهم نحو التعليم في ظروف قاهرة، يتوزعون تقريباً بالتساوي بين ذكور وإناث.

* ما يزيد عن 1200 نقطة تعليمية، تم استحداثها كبدائل يائسة في الساحات وبين أزقة المخيمات، معظمها عبارة عن خيام أو شوادر لا تقي حراً ولا برداً.

* قرابة 250 ألف طالب وطالبة، سُجلوا تقديرياً في مسار التعليم الإلكتروني عبر الروابط الرسمية، في محاولة للتشبث بأي أمل، رغم انعدام مقومات هذا النوع من التعليم.

التعليم كطوق نجاة

قد يتساءل البعض، ما الذي يدفع عائلة نازحة، تفترش الأرض وتلتحف السماء، للركض خلف تسجيل أبنائها في نقاط تعليمية تفتقر لأدنى المقومات؟

الإجابة تكمن في أن التعليم لم يعد مجرد مسار للنمو الفكري، بل بات الاستثمار الأوحد والأخير لهذه العائلات، ففي ظل فقدان الأسر لمنازلها ومصادر دخلها ومدخراتها طوال سنوات الإبادة، أصبح التعويل كلياً على تعليم الأبناء والبنات؛ أملاً في أن ينجحوا في بناء مستقبل مهني يضمن لهم عملاً مناسباً، ليصبحوا هم طوق النجاة الذي يعيد للأسرة كرامتها المهدورة، ويحقق آمالها، ويضمن توفير مصروفاتها اليومية التي باتت حلماً بعيد المنال.

جراح غائرة تتجاوز غياب الجدران

إن أزمة التعليم في غزة لا تتوقف عند حدود المباني المدمرة، بل تتشعب لتطال كل تفاصيل العملية التربوية، والتي يمكن تلخيصها في عدة أبعاد لطالما حذرنا منها:

أولاً: النقاط التعليمية الوجاهية:

تفتقر هذه النقاط لأدنى مقومات البيئة التعليمية الآمنة، معظمها خيام مهترئة تتحول إلى أفران حامية تلفح أجساد الأطفال في الصيف، وإلى ثلاجات غارقة تجمّد أطرافهم في الشتاء. لا مقاعد، لا ألواح، لا أدوات تعليمية مساعدة، ولا مرافق صحية آدمية.

يضاف إلى ذلك البعد النفسي المرعب؛ فكيف لعقل طفل فقد زميل مقعده أو معلمه شهيداً، أو يعيش تحت طنين طائرات الاستطلاع المرعب، أن يستوعب معادلة رياضية؟ فضلاً عن غياب الكادر التعليمي المتخصص، مما دفع بالعديد من الخريجين الجدد لتولي زمام المبادرة، ورغم نبل مسعاهم، إلا أنهم يفتقرون للخبرة التربوية اللازمة لاحتواء أطفال يحملون صدمات حرب مركبة.

وفي خضم هذا الفراغ، برزت ظاهرة قاسية تتمثل في تجارة التعليم؛ حيث انتشرت المراكز والمدارس الخاصة مدفوعة الثمن. هذا الاستغلال الفج للأزمة يثقل كاهل أرباب الأسر المنهكين أصلاً، والذين يضطرون لاقتطاع لقمة عيشهم ودفع ما لا يملكون، أملاً في تأمين تلك الفرصة الأخيرة لأبنائهم.

ثانياً: السراب الرقمي:

رغم التسجيل والاقبال الواسع، يصطدم التعليم الإلكتروني بواقع مرير عنوانه الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، وضعف أو انعدام شبكات الإنترنت، كما يعاني الطلبة من شح حاد في الأجهزة الذكية (الهواتف، الحواسيب، والأجهزة اللوحية)، وهو شح مفروض بقوة السلاح، حيث تمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع، والنتيجة هي تعميق الفجوة؛ حيث يصبح التعليم حكراً على من يملك جهازاً وطاقة، بينما يترك عشرات الآلاف في العتمة الرقمية.

طموح يعانق السماء وواقع يكبله الركام

وسط هذا المشهد السوداوي، تقف طفلتي “رسيل” على عتبة عامها الدراسي الأول، عيناها تلمعان بطموح يتجاوز حدود سماء غزة المحاصرة؛ تخطط لمستقبلها منذ الآن وتخبرني بلهفة أنها تريد أن تصبح طبيبة، لكننا كآباء نبتلع غصة الخوف، فلا نعلم ماذا يخفي لنا القدر في مدينة تغتال فيها الأحلام كل يوم.

سجلنا رسيل عبر الرابط الإلكتروني الذي أقرته وزارة التربية والتعليم للالتحاق بالصف الأول الابتدائي، وانتظرنا طويلاً. لكن كحال آلاف الأسر، لم تصلنا أي رسالة تفيد بالمدرسة أو النقطة التعليمية الأقرب لمكان نزوحنا.

إن أزمة التعليم في قطاع غزة تتجاوز النقص في الغرف الصفية أو انقطاع في شبكات الإنترنت، إلى كونها حلقة خطيرة في سلسلة الإبادة الجماعية التي تستهدف اقتلاع الإنسان الفلسطيني وتدمير مستقبله. وبين فكّي استغلال تجارة الأزمات وقسوة مدارس الخيام وسراب التعليم الإلكتروني، حيث تقف العائلات الغزية وحيدة تتشبث بالتعليم كطوق نجاة أخير.

غداً، حين أمسك بيد طفلتي “رسيل” ونتوجه نحو إحدى النقاط التعليمية القريبة، لن أذهب لتسجيلها فقط، بل لنخوض معاً غمار معركة الوعي، سنقف هناك لنثبت للعالم أجمع أن مريول المدرسة، حتى وإن تعفر بغبار الركام، يبقى أقوى من آلة الحرب، وأن أحلام أطفالنا بأن يصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين هي الرد الأقوى والأبقى على مقصلة الإبادة والتجهيل.

المصدر : جريدة التاج نيوز

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر جريدة التاج نيوز الإخبارية

تنويه: المحتوى أعلاه منقول آليًا عن المصدر الأصلي، وتعود حقوق النصوص والصور إلى أصحابها وناشريها الأصليين. ويحرص التاج نيوز على إتاحة الأخبار والمعلومات للقارئ مع الإشارة إلى مصدرها.

بهاء الجملة

كاتب ومحرر في أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات

بهاء الجملة، كاتب ومحرر في جريدة التاج نيوز، متخصص في متابعة أخبار الاقتصاد والتعليم والترددات، ويحرص على تقديم المعلومات بصورة واضحة ودقيقة وتحديث المحتوى عند ورود مستجدات جديدة.

تعليقات